الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
نفحات القرآن
اللَّه الإجماليّة ليست ممكنة فقط بل لازمة أيضاً ، أمّا معرفة اللَّه التفصيليّة ، أي التوصل إلى حقيقة وكنه الصفات والذات الإلهيّة المقدّسة ، والإحاطة العلميّة بها ، فهي غير ممكنة . 2 - لم لا يصل العقل إلى كُنه ذاته وصفاته ؟ لقد أشرنا سابقاً إلى دليل هذا الموضوع ، ونذكره هنا بشي من التفصيل فنقول : إنّ النقطة الأساسيّة تكمن في نزاهة الذات الإلهيّة المقدّسة عن المحدودية من جهة ، ومحدودّية عقولنا وعلومنا من جهة أخرى . فاللَّه عز وجل وجودٌ لا نهاية له من جميع الجهات ( كما أثبتنا ذلك في البحوث السابقة ) ، فذاته كصفاته غير محدودة وغير متناهية ، ومن جهةٍ أخرى فنحن محدودون ، وجميع ما يتعلق بنا من علمنا وقدرتنا وحياتنا والمكان والزمان الذي نعيش فيه ، محدود أيضاً . وعلى هذا فكيف يمكننا مع هذه المحدوديّة أن نحيط بذلك الوجود اللامحدود وصفاته ؟ وكيف يستطيع علمنا المحدود أن يخبر عن ذلك الوجود اللامحدود ؟ أجل ، إنّه بإمكاننا في عالم الفكر والتفكُّر أن نلمح شبحاً من بعيد ، ونشير إجمالًا إلى ذاته وصفاته ، أمّا الوصول إلى كُنه ذاته وصفاته ، أي الإحاطة التفصيلية به ، فهي غير ممكنة بالنسبة لنا - هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإنّ الوجود اللامتناهي ليس له مثيل أو نظير من كل ناحية ، وفرد لا كفؤ له ، فلو كان له كفؤ أو نظير لكان كلاهما محدودين ( ورد تفسير هذا المعنى بصورة كاملة في أبحاث التوحيد في المجلد الثالث من هذا التفسير ) . فكيف يمكننا أن ندرك وجوداً لا نعرف له كفؤاً ولانظيراً أبداً ؟ ، وكل ما نراه من الممكنات هو غيره ، وصفاته تتفاوت تماماً عن صفات واجب الوجود « 1 » .
--> ( 1 ) إن لم يكُن عجباً فإننا لا نستطيع أن نتصور حتى مفهوم ( اللامتناهي ) فإن قيل لنا كيف تستعملون كلمة ( اللامتناهي ) إذن ؟ وتتحدثون عنها وعن أحكامها ؟ فهل يمكن التصديق بدون التصوّر ؟ ! في الإجابة عن ذلك نقول : إننا أخذنا هذا المصطلح من كلمتين هما ( لا ) أي النفي والعدم و ( متناهي ) أي بمعنى ( المحدود ) ، أي أن نتصور هاتين الكلمتين منفصلتين عن بعضهما ( لا ومتناهي ) اولًا ثم نركبهما مع بعضهما لنشير بهما إلى موجودٍ لا يسعه الخيال والتصور فنحصل منها على معنى إجمالي ( تأمل جيداً ) .